السيد محمد حسين فضل الله

40

من وحي القرآن

جوهر الصلابة والثبات ، فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ تبعا للعمق الذي يتمثل فيه الخير والحياة ، كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ ليفهم الإنسان الصورة في الفكر من خلال الصورة في الواقع ، وهذا هو الأسلوب التربوي القرآني الذي يعتبر الواقع أساسا للمعرفة ، حيث يكمن التقاء الحس بالتصوّر المجرد ، فيخلق التوازن في وعي الإنسان للفكرة . وهكذا يستطيع الإنسان أن ينفذ إلى آفاق المعرفة المختلفة في أنواعها ، التي منها المعرفة التجريدية التي تمثل ترفا فكريا لا فائدة منه في حركة الحياة ، سواء على مستوى العقيدة أو العمل ، وهو جهد قد يحرّك الفكر في معادلاته ، ولكنه لا يحقق له أيّ غنى في العمق وفي الامتداد ، بل يتبخر تماما كما يتبخّر الزبد الطافي على وجه الماء أو المعدن . ومنها المعرفة الواقعية التي تمثل تلبية لحاجة فكرية على مستوى إغناء العقيدة وتأسيس القاعدة الفكرية التي ينطلق منها الإنسان في حياته العامة والخاصة ، وتدفعه إلى إغناء تجربته العملية من خلال وعي أسرار الحياة والظواهر الكونية والإنسانية ، والموجودات المتنوعة من حوله ، والاستفادة منها في تطوير وتنظيم أوضاعه الحياتية والاجتماعية والثقافية والحضارية . إنه الفرق بين المعرفة التي لا يثبت منها شيء ينفع الناس ، وبين المعرفة التي تنفع الحاضر والمستقبل . فلا بد للإنسان من أن يحسن الاختيار ، فلا يختار إلا ما ينفع ويمكث في قضايا الحياة والمصير ، ويتخفّف من الثقافة النظرية التي لا تلبي أي حاجة إنسانية على مستوى الفكر والعمل ، كما حصل في عصور التخلّف ، التي أغرقت الفكر الإنساني بالكثير من المعادلات الافتراضية والحذلقات اللفظية ، والألغاز والمعمّيات وغيرها مما لا يسمن ولا يغني من جوع . لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى ، هؤلاء الذين أقبلوا على دعوة الحق في